الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
245
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ووجّه الخطاب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم وأضيف لفظ ( الرب ) إلى ضميره إيماء إلى أن اللّه مؤيده تأنيسا له ، لأن قولهم : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] قصدوا منه الاستخفاف به ، فرفع اللّه شأنه بإبلاغ الإنكار عليهم بالإقبال عليه بالخطاب وبإظهار أن اللّه ربّه ، أي متولي أمره وتدبيره . وجملة نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ تعليل للإنكار والنفي المستفاد منه ، واستدلال عليه ، أي لما قسمنا بين النّاس معيشتهم فكانوا مسيّرين في أمورهم على نحو ما هيّأنا لهم من نظام الحياة وكان تدبير ذلك للّه تعالى ببالغ حكمته ، فجعل منهم أقوياء وضعفاء ، وأغنياء ومحاويج ، فسخر بعضهم لبعض في أشغالهم على حساب دواعي حاجة الحياة ، ورفع بذلك بعضهم فوق بعض ، وجعل بعضهم محتاجا إلى بعض ومسخّرا به . فإذا كانوا بهذه المثابة في تدبير المعيشة الدّنيا ، فكذلك الحال في إقامة بعضهم دون بعض للتبليغ فإن ذلك أعظم شؤون البشر . فهذا وجه الاستدلال . والسخريّ بضم السين وبكسرها وهما لغتان ولم يقرأ في القراءات المشهورة إلا بضم السين . وقرأ ابن محيص في الشاذّ بكسر السين : اسم للشيء المسخر ، أي المجبور على عمل بدون اختياره ، واسم لمن يسخر به ، أي يستهزأ به كما في « مفردات » الراغب و « الأساس » و « القاموس » . وقد فسر هنا بالمعنيين كما قال القرطبي . وقال ابن عطية : هما لغتان في معنى التسخير ولا تدخّل لمعنى الهزء في هذه الآية . ولم يقل ذلك غيره وكلام الراغب محتمل . واقتصر الطبري على معنى التسخير . فالوجه في ذلك أن المعنيين معتبران في هذه الآية . وإيثار لفظ سُخْرِيًّا في الآية دون غيره لتحمّله للمعنيين وهو اختيار من وجوه الإعجاز فيجوز أن يكون المعنى ليتعمل بعضهم بعضا في شؤون حياتهم فإن الإنسان مدني ، أي محتاج إلى إعانة بعضه بعضا ، وعليه فسّر الزمخشري وابن عطية وقاله السّدي وقتادة والضحاك وابن زيد ، فلام لِيَتَّخِذَ لام التعليل تعليلا لفعل قَسَمْنا ، أي قسمنا بينهم معيشتهم ، أي أسباب معيشتهم ليستعين بعضهم ببعض فيتعارفوا ويتجمعوا لأجل حاجة بعضهم إلى بعض فتتكون من ذلك القبائل والمدن . وعلى هذا يكون قوله : بَعْضُهُمْ بَعْضاً عاما في كل بعض من النّاس إذ ما من أحد إلا وهو مستعمل لغيره وهو مستعمل لغير آخر . ويجوز أن تكون اسما من السّخرية وهي الاستهزاء . وحكاه القرطبي ولم يعيّن قائله وبذلك تكون اللام للعاقبة مثل فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ]